أبي حيان التوحيدي

360

المقابسات

وينطق بلسانه ويهم بقلبه ويتصرف على إرادته وكلاهما على رتبة واحدة في الحد الذي وصفت في الصديق ، فان أوجبت على أحدهما طاعة الآخر والاقتداء به فهذا خلاف الصداقة التي تقدم حالها ، لأن هذه الحال بالعالم والمتعلم أشبه [ و ] بالتابع والمتبوع أشكل فقلت له : فعلى هذا ما فائدة هذا الحد ؟ ولم قال الفيلسوف شيئا لا حقيقة له ولا دلالة [ عليه ] ولا يوجد في الشاهد أصله ؟ فقال : قد قصد بهذا الحد المبالغة في الحس على توخى الصديق لصديقه حالا لا يكاد يفصل بينهما في إرادة وإيثار وقصد ومحبة وكراهية ومرضاة ، فان هذا الحد إذا لحظ أفقه العلى سلك إليه بالهمة الشريفة والعزيمة التامة والجد البليغ والاجتهاد المستخرج للوسع ، فيكون لك داعية إلى الغاية التي كلما قرب منها كانت الحال أعنى الصداقة إلى الحقيقة أقرب ، وعليها أشمل ، وبشرائطها أجمع ، وعما يخالف هذه الصفات أبعد . ثم قال : وكيف يصح هذا الحد في الشاهد والحس ، والانسان إن كان وحده لا يلائم نفسه ولا يوافق أبدا رأيه ، ولعله يترجح وينكفئ في كل يوم ، بل في كل ساعة مرارا كثيرة مثل أبى براقش كل لون لونه يتخيل وقال أيضا : إن الانسان وإن كان واحدا بوجه فإنه كثير بوجه آخر فالكثرة التي حالت بينه وبين صديقه في جمهور أحواله ، فلو لا التفرق الذي فيه والكثرة التي تتوزعه ، ما كنت تجد إنسانا إلا على هيئة واحدة وشكل واحد ، أعنى أنك كنت تجده أبدا إما طلق الوجه ، متبسم الثغر سهل الخلق ، ناشئ الخلق ، جوادا بالمال ، سهل المأتى ، قريب المأخذ ، طراحا للخلاف ، وإما على خلاف ذلك كله ، عابس الوجه ، منغلق الثغر ، شرس الخلق ، عديم البشر ، بخيلا بالمال ، عسر المرام ، بعيد المنال ، مولعا بالخلاف ، أو فيما بين هذه الاضداد بالزيادة والنقصان والانحراف والاعتدال . فلما وجدته على أحوال مختلفة وأشكال مفترقة وأخلاق لا تتلاءم ولا تتلاحم